في التاسع من كانون الثاني من كل عام، يستعيد العراقيون ذكرى عيد الشرطة، المناسبة التي ترتبط بتاريخ تأسيس أولى مفاصل قوى الأمن الداخلي الحديثة في العراق عام 1922، وتتجدّد معها أسئلة صعبة عن دور الشرطة اليوم بين إرثٍ من التضحيات وتحديات بناء دولة القانون بعد أكثر من قرن على انطلاقها. فبين مشاهد مواجهة الإرهاب في شوارع المدن، وصور تنظيم الحركة المرورية في الأزقّة والأسواق، تتحرّك مؤسسة الشرطة داخل مساحة حسّاسة جدًّا، تقف فيها على خطّ التماس اليومي بين الدولة والمجتمع.
من مفارز بسيطة إلى شبكة أمن داخلي
تعود جذور عيد الشرطة إلى بدايات تشكّل الدولة العراقية الحديثة، حين بدأت وزارة الداخلية آنذاك بتنظيم المفارز والدوريات في المدن الرئيسة، قبل أن تتوسع المنظومة تدريجيًا إلى مديريات شرطة في المحافظات، وسجون، ووحدات تحقيق جنائي، وشُعب للأحوال المدنية والجوازات وغيرها. وعلى مدى عقود، شكّلت مراكز الشرطة الوجه اليومي للدولة في الشارع، المكان الذي يقصده المواطن لتسجيل شكوى، أو استخراج مستمسك، أو طلب حماية.
لكنّ مسار هذه المؤسسة لم يكن خطّيًا ولا بسيطًا؛ فقد مرّت الشرطة بمراحل تداخل فيها الأمني بالسياسي، واستخدمت في بعض الأزمنة أداةً لترهيب الخصوم أكثر من كونها حارسًا لحقوق المواطنين، قبل أن تدخل بعد عام 2003 في منعطف مختلف تمامًا، حيث تحوّلت فجأة إلى هدف مباشر للجماعات المسلحة من جهة، وحائط صدّ أول في مواجهة الفوضى والإرهاب من جهة أخرى.
شرطة ما بعد 2003.. واجهة الحرب مع الإرهاب
خلال سنوات العنف الطائفي وصعود تنظيم داعش، دفع منتسبو الشرطة ثمنًا باهظًا، من استهداف مراكزهم ومقرّاتهم، إلى تفجيرات متكرّرة طالت دوريات النجدة والمرور والشرطة الاتحادية، وصولًا إلى مشاهد القتل الجماعي لعناصر الأمن في بعض المدن التي اجتاحها التنظيم. وفي كثير من الحالات، كانت الشرطة تحارب تحت ضغط هائل، بين نقص الإمكانات، وتداخل الصلاحيات مع القوات العسكرية، واتهامات دائمة بالتقصير أو العجز.
مع ذلك، لعبت أصناف الشرطة المختلفة أدوارًا حاسمة في استعادة الاستقرار داخل المدن بعد عمليات التحرير، سواء في مسك الأرض، أو إعادة فتح الطرق، أو تنظيم عودة النازحين، أو ملاحقة الخلايا النائمة. واستطاعت بعض التشكيلات، مثل شرطة النجدة، والمرور، والشرطة المجتمعية، أن تعيد جزءًا من الجسر المقطوع مع الشارع عبر الاحتكاك اليومي بالمواطنين، وتقديم صورة مختلفة عن رجل الأمن الذي يقف إلى جانب الناس، لا في مواجهتهم.
بين ثقة المواطن وتحديات الإصلاح المؤسسي
على الرغم من هذه التضحيات، ما تزال مؤسسة الشرطة تواجه أسئلة حسّاسة تتعلق بثقة المواطن، وملفات الفساد، وسوء استخدام الصلاحيات في بعض المفاصل. فوجود شكاوى عن الرشوة، أو التعسّف في استخدام القوة، أو التدخّل السياسي في التعيينات والترقيات، يضع على عاتق وزارة الداخلية واجبًا مضاعفًا في ملف الإصلاح المؤسسي، من خلال تعزيز منظومات الرقابة الداخلية، وتطوير التدريب المهني، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان داخل المفاصل التنفيذية.
في المقابل، يواجه رجل الشرطة نفسه واقعًا معقّدًا؛ ساعات عمل طويلة، احتكاك دائم مع مشكلات المجتمع، تهديدات أمنية في بعض المناطق، وضغوط معيشية لا تنفصل عن الأزمة الاقتصادية العامة. هذا التداخل بين ضعف الإمكانات وارتفاع سقف التوقّعات يجعل أي منظومة إصلاح حقيقية بحاجة إلى مقاربة مزدوجة، تضمن في الوقت نفسه حماية كرامة المواطن وحقوقه، وحماية رجل الشرطة وتطوير قدراته.
الشرطة في زمن التكنولوجيا والجرائم المستحدثة
تحدٍّ آخر يفرض نفسه في عيد الشرطة اليوم، يتمثّل في التحوّل الكبير في طبيعة الجريمة. فإلى جانب الجرائم التقليدية، برزت في السنوات الأخيرة ملفات أكثر تعقيدًا، مثل جرائم غسل الأموال، والابتزاز الإلكتروني، والاتّجار بالمخدّرات عبر الحدود، والجرائم الإلكترونية العابرة للدول. هذه الأنماط الجديدة تتطلّب شرطة مختلفة في أدواتها، تعتمد على قواعد بيانات متقدّمة، وتحليل معلومات، وتنسيق دولي، لا على الدوريات التقليدية فقط.
في هذا السياق، تشكّل وحدات مكافحة الجريمة المنظمة، والأدلة الجنائية، ومكافحة المخدّرات، والأمن السيبراني، عمودًا فقريًّا في قدرة الشرطة على مواكبة العصر؛ لأنّ الجريمة لم تعد محصورة في الشارع، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني، وإلى حسابات وهمية ومنصّات رقمية لا ترى بالعين، لكنّ آثارها تضرب المجتمع والأسرة والاقتصاد مباشرة.
من شعار “خدمة الشعب” إلى دولة القانون
عيد الشرطة، في جوهره، ليس مناسبة احتفالية فحسب، بل فرصة لإعادة طرح السؤال الأكبر: أي شرطة يريدها العراقيون في دولةٍ يسعون لأن تكون دولة قانون، لا دولة مزاج أو نفوذ؟ إنّ الطريق نحو هذا الهدف يمرّ عبر مجموعة مسارات متوازية؛ إصلاح قوانين العقوبات والإجراءات الجزائية بما يحمي المجتمع من الجريمة ويحفظ حقوق المتّهمين، بناء منظومة تحقيق محترفة تستند إلى الأدلة العلمية لا الاعترافات القسرية، تحديث البنية التحتية لمراكز الشرطة، وتأهيل الكوادر بما ينسجم مع المعايير الحديثة لحقوق الإنسان.
في المقابل، يحتاج المجتمع نفسه إلى إعادة بناء علاقته مع رجل الأمن؛ فالتبليغ عن الجريمة، واحترام القانون، وعدم التستّر على المخالفات، هي عناصر مكملة لا يمكن لأي شرطة، مهما كانت إمكاناتها، أن تنجح من دونها. فالأمن عملية مشتركة بين المواطن والدولة، والشرطة هي نقطة الالتقاء الأولى بين الطرفين.
خاتمة العيد.. وفاء للماضي ومسؤولية تجاه المستقبل
في عيد الشرطة هذا العام، تعود إلى الواجهة صور مئات الشهداء من ضبّاط ومنتسبين سقطوا في ساحات الواجب، إلى جانب ضغوط الحاضر، وأسئلة المستقبل عن شكل جهاز الشرطة الذي يحتاجه العراق في مرحلة ما بعد الحروب والأزمات المتلاحقة. بين شعار “الشرطة في خدمة الشعب” وواقع المؤسّسات المرهَقة بالأعباء، يبقى التحدّي الحقيقي هو تحويل هذه المناسبة من مجرّد احتفال إلى محطة مراجعة ووفاء في آن واحد؛ مراجعة صادقة لمسار التحديات والأخطاء، ووفاء لدماء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لكي يبقى الشارع آمنًا، وتبقى الدولة قادرة على حماية مواطنيها.
بهذا المعنى، يصبح عيد الشرطة ليس يومًا للمباهاة، بل يومًا لتجديد العهد بأن تبقى هذه المؤسسة ركنًا أساسيًّا في بناء دولةٍ تحكمها القوانين وتُصان فيها كرامة الإنسان، وأن يبقى رجل الشرطة عنوانًا للثقة، لا سببًا للخوف، في ذاكرة العراقيين.
قناة الغدير الفضائية قناة اخبارية مستقلة