في ذكرى تأسيس الجيش العراقي، يعود الحديث كلّ عام إلى واحدة من أقدم وأهمّ مؤسّسات الدولة الحديثة في العراق؛ مؤسّسة رافقت نشأة الدولة منذ عشرينيات القرن الماضي، ومرّت بكلّ العواصف التي ضربت البلاد، وبقيت رغم الانهيارات والحروب عنوانا لاستمرار فكرة الوطن ووحدته.
بعيدا عن لغة الشعارات، تبدو هذه المناسبة فرصة للتوقّف عند ثلاثة أسئلة أساسية: كيف تشكّل الجيش تاريخيا؟ ما أبرز التحدّيات التي يواجهها اليوم؟ وإلى أين يمكن أن يتجه مستقبلا في دولة تبحث عن استقرار حقيقي بعد عقود من الاضطراب؟
تأسّس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921، كقوّة نظامية ناشئة لدولة فتية خرجت للتوّ من ظلّ الإمبراطورية العثمانية والانتداب البريطاني. في البداية كان التحدّي الأكبر هو بناء هيكل عسكري مهني قادر على حماية الحدود وترسيخ حضور الدولة في الداخل، في مجتمع خرج من ثورات وانتفاضات محلية ويحتاج إلى قوّة تضبط الأمن وتفرض هيبة القانون.
ومع مرور الزمن، تحوّل الجيش من مجرّد تشكيل ناشئ إلى مؤسّسة مركزية في بنية الدولة؛ توسّعت مدارسه وكليّاته، وتكوّنت أجيال من الضبّاط والمراتب الذين حملوا عقيدة الخدمة العسكرية بوصفها مسارا للحياة، ومكانة اجتماعية، ودورا مباشرا في صناعة الأحداث.
شهد الجيش محطّات صعبة، دخل حروبا خارجية، وتحمّل أعباء قرارات سياسية كبرى، لكنّ صورته في ذاكرة المجتمع بقيت مرتبطة بالجندي الذي يقف على الحدود، والضابط الذي يقود وحدته في مهمّة رسمية، والوحدة العسكرية التي تصل إلى مدينة منكوبة لتساعد في الكوارث والفيضانات والحرائق، كما شارك الجيش في بناء جسور، وفتح طرق، وإسناد مؤسّسات مدنية في أزمات متعدّدة.
عام 2003 شكّل نقطة تحوّل حادّة في تاريخ الجيش؛ ليس فقط بسبب تغيير النظام السياسي، بل بسبب القرار الذي أدّى إلى حلّ الجيش السابق وإغلاق صفحة كاملة من تاريخه. وجد آلاف الضبّاط والجنود أنفسهم خارج الخدمة، وتعرّضت الخبرة المتراكمة داخل المؤسّسة إلى انقطاع مفاجئ ترك فراغا أمنيا كبيرا، انعكس على مجمل المشهد في البلاد.
بعد ذلك بدأ مسار إعادة البناء من جديد: تشكيل وحدات، فتح باب التطوّع، بناء هيكليات حديثة، وإعادة تعريف المهامّ في ظلّ حضور قوات أجنبية وتحدّيات أمنية داخلية معقّدة. لم تكن عملية سهلة؛ فالجيش الناشئ واجه في السنوات الأولى هجمات إرهابية، وبيئة سياسية مضطربة، ومشكلات في التجهيز والتسليح والإدارة.
ورغم الأخطاء والانكسارات، استطاعت وحدات الجيش مع مرور الوقت أن تراكم تجربة جديدة على الأرض، وأن تعود تدريجيا إلى واجهة مشهد الأمن الوطني، من حماية المدن والمنشآت الحيوية، إلى مساندة الأجهزة الأخرى في ملاحقة الجماعات المتطرّفة، وصولا إلى المشاركة في استعادة المدن التي سقطت بيد تنظيم داعش.
المستقبل المفتوح أمام الجيش العراقي ليس قدرا ثابتا، بل مسار يمكن التأثير فيه بقرارات وسياسات واضحة. إذا توفّرت إرادة سياسية جادة لتحصين المؤسّسة من التجاذب، وتأمين الموارد اللازمة لتطويرها، واحترام معايير مهنية صارمة في التعيين والترقية، يمكن بعد سنوات أن نتحدّث عن جيش أكثر استقرارا وفاعلية، يمثل إحدى ركائز الدولة الحديثة في العراق.
هذا المستقبل يرتبط أيضا بملفات أخرى؛ مثل سياسة التسلّح، وإدارة الحدود، واتّفاقات التعاون العسكري مع الدول الأخرى، ودور العراق في محيطه الإقليمي. فكلّما ازدادت قدرة الدولة على صياغة سياسة أمنية متوازنة، ازدادت قدرة الجيش على أداء دوره بثبات، بعيدا عن المفاجآت والضغوط المتناقضة.
في ذكرى التأسيس، لا تُختزل الصورة في العروض العسكرية والبيانات الرسمية؛ بل في المعنى البسيط الذي يرافق حياة العراقيين كلّ يوم: وجود قوّة نظامية تحرس الحدود، وتؤمّن المدن، وتدفع ثمن الاستقرار نيابة عن الجميع.
الامتنان لرجال الجيش، أحياءً وشهداءً، جزء من هذا اليوم. لكنّ الامتنان وحده لا يكفي؛ المطلوب أن تتحوّل هذه المناسبة إلى لحظة مراجعة هادئة لأسلوب إدارة المؤسّسة العسكرية، حتى يبقى الجيش على مسافة واحدة من الجميع، ويحمل بندقيته من أجل الدولة والمجتمع، لا من أجل أيّ عنوان آخر.
بهذا المعنى، يكون الاحتفال الحقيقي بذكرى تأسيس الجيش العراقي هو العمل على أن يبقى بعد مئة عام أخرى، مؤسّسة راسخة، مهنية، مستقرة، تحمي البلاد من دون أن تصبح طرفا في صراعاتها الداخلية، وتبقى دائما في موقعها الطبيعي: درعا لوحدة العراق، وحدوده، وكرامة شعبه.
قناة الغدير الفضائية قناة اخبارية مستقلة