الإمارات بعد انسحابها من التحالف تواجه السعودية في ساحة القانون الدولي

يشهد المشهد الخليجي تحوّلًا نوعيًا بعد انسحاب الإمارات العربية المتحدة رسميًا من التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن، لتدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة تتسم بالتباعد الإستراتيجي والمواجهة غير المباشرة.


مركز بدر للدراسات الاستراتيجية

أحدثُ تجليات هذا التحول تمثل في التحرك القانوني الذي أطلقت أبوظبي ضد الرياض، عبر تكليف فريق من خبراء القانون الدولي في باريس وبروكسل بمتابعة إجراءات قضائية تتعلق بهجمات نسبت إلى القوات السعودية ضد مواقع جنوب اليمن.

❖ من الانفصال العسكري إلى التصعيد القانوني
التحرك الإماراتي يأتي بعد سلسلة من التطورات الميدانية التي رسخت الانفصال الكامل عن التحالف. فانسحاب القوات الإماراتية خلال أواخر عام 2025 لم يكن مجرد قرار تكتيكي، بل عكس قطيعة سياسية مع النهج السعودي في إدارة الملف اليمني.
ومع تفكك “المجلس الانتقالي الجنوبي” الذي كان يمثل الذراع السياسية والعسكرية لأبوظبي في الجنوب، بدا المشهد أقرب إلى إعادة تموضع إماراتي شامل خارج المظلة السعودية، وصولًا إلى خيار التصعيد القانوني بوصفه وسيلة لحماية النفوذ والمصالح التي تهددت بفعل الغارات الأخيرة.

❖ خلفيات التوقيت ودلالاته
اختيار توقيت رفع الدعوى يتجاوز كونه ردًا على ضربات عسكرية. فالإعلان عن الإجراءات القانونية، وفق تسريبات من مصادر قريبة من الملف، جاء بعد اجتماع لفريق قانوني مختص في باريس نهاية الأسبوع الماضي، وجرى خلاله اتخاذ قرار البدء الفوري في مقاضاة السعودية أمام جهات أوروبية ودولية.
يعكس هذا القرار رغبة إماراتية في تثبيت سردية قانونية مضادة للرواية السعودية، واستخدام أدوات الشرعية الدولية للضغط السياسي، خصوصًا بعد أن فقدت أبوظبي أدواتها العسكرية داخل الساحة اليمنية.

❖ الدلالات السياسية للتحرك
إقدام الإمارات على خطوة الملاحقة القانونية بعد انسحابها من التحالف يعبر عن تحوّل أعمق في هندسة توازن القوى داخل الخليج.
فبدلًا من إدارة الخلافات ضمن آليات التنسيق العربي، تنتقل أبوظبي إلى مساحة المواجهة القانونية المفتوحة مع دولة كانت حتى وقت قريب شريكها الرئيسي في ملفات الأمن الإقليمي. من هذا المنطلق، يُفهم التحرك باعتباره محاولة لإعادة رسم علاقة القوة بين البلدين في النظام الخليجي، وإعلان ضمني بنهاية “مرحلة التبعية السياسية للتحالف”.

❖ الأبعاد الإقليمية والدولية
على المستوى الإقليمي، تضع هذه المواجهة القانونية مع السعودية بقية دول مجلس التعاون أمام معادلة صعبة: إما الوقوف على الحياد وتحمّل نتائج تراجع التنسيق الأمني الخليجي، أو الانخراط في مسار وساطة لتجنب انتقال التوتر إلى المؤسسات الإقليمية. أما دوليًا، فقد يفتح الملف الباب أمام تدخل أوروبي أوسع في القضية اليمنية، مع احتمال استثمار قوى كبرى لهذا الانقسام الخليجي لتعزيز نفوذها في البحر العربي وباب المندب.

في الختام، التحرك الإماراتي، وهو الأول من نوعه بين دولتين خليجيتين خرجتا لتوهما من تحالف عسكري طويل، يكشف عن تحوّل في أدوات إدارة الصراع في المنطقة. من العمل العسكري المشترك إلى المواجهة القانونية العلنية، تبدو أبوظبي اليوم في موقع الدولة التي تسعى لتثبيت استقلال قرارها الإقليمي حتى ولو على حساب حليفها السابق. هذا التحول لا يعيد فقط ترتيب أولويات ما يعرف بالأمن الخليجي، بل يؤذن بمرحلة جديدة من “التعدد الاستراتيجي” في السياسات العربية تجاه اليمن والخليج.

شاهد أيضاً

وزير التربية وكالة: قرار مجلس الوزراء لا يمس مخصصات موظفي التربية والتعليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *