الثوابت في زمن الصراع.. دلالات خطاب الإمام الخامنئي تجاه التدخلات الأمريكية

بقلم الكاتب: سلام جاسم الطائي

في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، ولا سيما في ظل حالة الاستقطاب الحاد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و امريكا وكيان الاحتلال الاسرائيلي جاءت تصريحات الإمام السيد علي الخامنئي لتؤكد مجددًا ثوابت النظام السياسي الإيراني وتقدّم رؤية متكاملة لطبيعة المواجهة الجارية وأبعادها المختلفة. هذا الخطاب، الذي اتسم بلهجة حازمة ورسائل واضحة الاتجاهات، لم يكن مجرد موقف ظرفي أو ردّ فعل آنٍ، بل عكس مقاربة أيديولوجية وسياسية تعتبر الصراع القائم امتدادًا لمسار تاريخي طويل يرتبط بمفهوم السيادة والوقوف مع المستظعفين ورفض الهيمنة الخارجية

ركز الإمام الخامنئي بشكل لافت على مسألة الوحدة الوطنية، معتبرًا أن التماسك الداخلي يشكّل الركيزة الأساسية في مواجهة أي محاولات لاختراق المجتمع الإيراني أو زعزعة استقراره. ووفق الخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية، فإن التجارب التاريخية أثبتت أن الانقسامات الداخلية غالبًا ما تسبق التدخلات الخارجية وتمنحها الذرائع اللازمة. من هنا، لم تُطرح الدعوة إلى الوحدة كشعار تعبوي مؤقت، بل كخيار استراتيجي مرتبط مباشرة بالأمن القومي واستقلال القرار السياسي، في ظل مايعد حربًا مركّبة تستهدف الداخل قبل الخارج

وفي سياق تحميل المسؤوليات، وجّه الإمام الخامنئي اتهامًا مباشرًا إلى الولايات المتحدة، محمّلًا إياها مسؤولية إراقة دماء آلاف الإيرانيين، في حرب الاثني عشر يومًا وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية. ويأتي هذا الاتهام في إطار صراع طويل ومفتوح بين الحق والباطل ترى فيه القيادة الإيرانية أن واشنطن تستخدم أدوات متعددة، من العقوبات الاقتصادية إلى الضغوط السياسية والأمنية، بهدف إخضاع إيران وكسر إرادتها ودفعها إلى التراجع عن خياراتها السيادية الثابتة والداعمة للشعوب المستضعفة

وفي الداخل، لم يغفل الخطاب الإشارة إلى مثيري الشغب الذين يسعون،إلى خدمة الأجندة الأمريكية عبر تخريب الممتلكات العامة وإثارة الفوضى. وهنا يميّز الخطاب بوضوح بين الاحتجاجات التي قد تُطرح تحت عناوين مطلبية، وبين التخريب المنظم الذي يُنظر إليه كأداة في مشروع خارجي يستهدف إضعاف الدولة من الداخل. ومن هذا المنطلق، جاء التحذير الصريح من التسامح مع المرتزقة أو العملاء العاملين لصالح قوى أجنبية، معتبرة أن التعامل معهم يدخل في إطار الدفاع عن السيادة وحماية المدنيين وليس قمع الحريات

كما شدّد الإمام الخامنئي على أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع قيد أنملة عن مبادئها، مؤكدًا أن هذه المبادئ لم تُبنَ على مصالح عابرة، بل على تضحيات جسيمة قدّمها مئات الآلاف من الشرفاء منذ قيام الثورة الإسلامية. ووفق هذا المنطق، فإن أي تنازل عن تلك الثوابت لا يُعد خيارًا سياسيًا مقبولًا، بل يُنظر إليه كتنكّر لتضحيات الماضي وضرب لأسس المشروع السياسي القائم على أساس العدالة والثبات والتحدي لقوى الاستكبار العالمي

وفي رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي، دعا الإمام الخامنئي الإدارة الأمريكية إلى التركيز على أزماتها الداخلية بدل التدخل في شؤون الدول الأخرى، مستخدمًا لغة رمزية وتاريخية حين شبّه قادة الولايات المتحدة بطغاة التاريخ الذين سقطوا في ذروة غرورهم، من فرعون ونمرود إلى شخصيات من التاريخ الإيراني الحديث مثل رضا خان ومحمد رضا بهلوي. ويهدف هذا الاستدعاء التاريخي إلى التأكيد على فكرة محورية في الخطاب الإيراني مفادها أن الغطرسة، مهما بلغت قوتها، مصيرها الزوال.

في المحصلة، تعكس تصريحات الإمام الخامنئي رؤية تعتبر أن المواجهة مع الولايات المتحدة ليست خلافًا سياسيًا عابرًا أو نزاعًا قابلًا للحل بتنازلات تكتيكية، بل هي صراع إرادات ومشاريع متناقضة. وبين الدعوة إلى الوحدة الداخلية، والتحذير من الاختراق الخارجي، والتأكيد على الثبات المبدئي، ترسم القيادة الإيرانية ملامح مرحلة ترى فيها استمرارًا لمسار بدأ مع قيام الجمهورية الإسلامية، وتؤكد من خلاله أن الضغوط والتحديات لن تغيّر من خياراتها الاستراتيجية ولا من تمسّكها برفض كل أشكال الهيمنة الخارجية

شاهد أيضاً

الزراعة: إجراءات لتنظيم الاستيراد وحماية المنتج المحلي

أوضحت وزارة الزراعة، اليوم الأحد، إجراءاتها لتنظيم الاستيراد وحماية المنتج المحلي، فيما أشارت إلى أهمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *